الزميلات والزملاء الكرام
اسعد الله اوقاتكم بكل خير
نرفق لكم جلسة الحوار""تقييم التجربة الحزبية في ضوء اداء مجلس النواب وعمليات المراجعة لاداء الاحزاب"لكل من د.علي محارمة، ود.اسامة السليم أدناه، والتي قدمت في الجمعية الاردنية للعلوم السياسية يوم السبت الماضي الموافق 22/2/2025 في مقر الجمعية، وأدارتها د.سمر الجبرا، وبحضور اعضاء الجمعية والمهتمين.
وتقبلوا وافر الاحترام
رئيس الجمعية الاردنية للعلوم السياسية
أ.د. خالد حامد شنيكات
نص محاضرة الدكتور علي عبدالسلام المحارمة
في الجمعية الأردنية للعلوم السياسية/ عمّان 22/2/2025
(مستقبل الأحزاب على ضوء وجودها في البرلمان)
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على النبي العربي الهاشمي الكريم
بداية اسمحوا لي بأن أتقدم بالشكر الوافر للجمعية الأردنية للعلوم السياسية ممثلة برئيسها سعادة الأخ الاستاذ الدكتور خالد شنيكات لهذه الدعوة الكريمة، ولسعادة الدكتورة سمر جبرا لإدارة هذا اللقاء.
والشكر موصول للأخوة والأخوات الحضور الكرام الذين تحدوا البرد القارص في هذا اليوم القطبي وأصروا على الحضور.
وقبل الخوض بموضوع اللقاء حول مستقبل العمل الحزبي على ضوء التجربة البرلمانية لمجلس النواب العشرين الحالي أود أن أتطرق بعجالة للمستجدات في وطننا العربي وعلى مستوى النظام الدولي وانعكاساتها على ساحتنا الداخلية.
وكلكم خبير في معرفة أثر البعد الخارجي على الداخلي في السياسة وفقاً للنظرية الواقعية السياسية وكذلك لدى كافة النظريات بما فيها الماركسية ومدرسة النظم.
إن إسرائيل نظرت للسابع من أكتوبر بأنه معركة إدراك، وبالتالي اعتبرت ما جرى بأنه خطر يهدد وجودها، وعليه تعاملت مع الحدث لتوجيه عدة رسائل وأهمها للجانب العربي بأن من يتجرأ ويقدم بالهجوم على إسرائيل فإن مصيره الحتمي سيكون مثل غزة، وهذا الأمر صرح به نتنياهو في سياق تهديده للبنان حينما طالب الحكومة اللبنانية بلجم حزب الله وإلا ستصبح بيروت مثل غزة.
كما أنه خاطب الغرب بأنها حرب على الحضارة الغربية وقيمها...
وفي ظل نظام عربي رسمي متهالك؛ فإن خطاب الحكمة والعروبة لا يأتي إلا من الخطاب الذي يقدمه الأردن بقيادة جلالة الملك المعظم.
وفي هذا السياق وفي ظل الهجمة المسعورة التي تعرض لها الموقف الأردني عبر وسائل الاعلام والتواصل المختلفة فقد كان لزاماً على المؤثرين الأردنيين في وسائل التواصل أن يشاركوا في الجهد الوطني في توضيح الموقف الأردني والملكي الثابت الراسخ، ولاءاته الثلاثة التي لا زال جلالة الملك يؤكد عليها في كل المحافل، وتوضيح عروبة الموقف الأردني، لا سيّما وأنه قد تم تكريمهم ورعايتهم رسمياً في مناسبات مختلفة.
وهنا اعتقد ان جهة ما لا أعرف من هي الآن، وهي غير رسمية عليها واجب اطلاق مبادرة لتنقية المحتوى العربي من الفتن ومن الانحدار الجاري في المحتوى العربي الالكتروني.
مثلما على كل من يتقن لغة اجنبية واجب قومي بأن ينشر المحتوى العربي باللغات الأجنبية وفي صفحاتهم ويدافع عن عدالة الموقف العربي ويوضح أبعاده.
وللأسف فإن مفهوم العروبة اليوم تشوبه عدة مغالطات ولم يعد محددا ومن المسلمات، وذلك في ظل هذا التناهش لعروبة كافة الأقطار العربي: المغرب العربي أمازيغي، مصر قبطية فرعونية، سوريا سريانية، العراق آشوري وكلداني....
وللتغلب على كل هذا القصور في فهم العروبة فإننا نطرح مفهوم "الحضارة العربية الإسلامية" التي بناها عرب وغير عرب، مسلمون ومسيحيون واتباع ديانات أخرى، وبذلك فإن هذا المفهوم يسمح باستيعاب التنوع العرقي والديني للعروبة وعدم اختزالها على جنس بشري واحد.
وعلى المستوى الدولي فلانتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة انعكاسات جوهرية على النظام الدولي وعلى اقليمنا بشكل خاص، وقد تتبعت سلسلة مقالات لفريدمان صديق إسرائيل، والذي ينتقد بها غالبية توجهات ترامب وتصريحاته، ويؤكد بأن طرحه لتهجير أهل غزة بأنه بمثابة القاء بالمسؤولية على العرب ليجدوا حلولا وعلى نفقتهم...
وفي هذا السياق فإنني أتقدم بمقترح لدراسته من قبل جمعيتكم الغراء وهو:
أن حل كافة قضايا بلاد الشام يكمن في طرح مشروع وحدوي عربي تحت عنوان: شامي عربي هاشمي وذلك بتوحيد دول بلاد الشام تحت مظلة الهاشميين ويتم استيعاب الأقليات فيها ومنحهم حق وقهم، بما في ذلك اليهود الذين وجدوا في هذه البلاد قبل المشروع الصهيوني.
لا سيّما وأننا حملة راية الثورة العربية الكبرى وأن الهاشميين هم أصحاب الشرعية التاريخية والدينية في حكمهم.
ودعونا نتصارح بأنه رغم كل شيء جميل ظاهريا في اللقاءات العربية فإن هناك حرب عربية باردة ستتضح معالمها لاحقا.
الحياة الحزبية والبرلمان:
عوداً على بدء لسياق هذا اللقاء، فقد جرت انتخابات مجلس النواب العشرين بعد تحديث المنظومة السياسية التي جاءت بتوجيهات ملكية وكان لها ثلاثة محاور أساسية: الأحزاب، النساء، والشباب.
وتم بموجبها إجراء تعديلات تشريعية شملت الدستور وقانوني الأحزاب والانتخاب بالإضافة لتعديل النظام الداخلي لمجلس النواب.
وقد شارك في هذه الانتخابات 36 حزب من أصل 38 حزباً من خلال 25 قائمة في الدائرة الوطنية الحزبية، وكذلك على مستوى الدوائر المحلية.
وقد فاز من بينها عشرة أحزاب تقاسمت المقاعد المخصصة للدائرة الوطنية وعددها 41 مقعدا وبقية مقاعد مجلس النواب ال138 مقعدا.
لقد كانت نسبة المشاركة في الانتخابات حوالي 32% مقابل 29% في الانتخابات السابقة، بزيادة حوالي 3%.
وقد شهدت العديد من الجهات المحلية والعربية والدولية بنزاهة هذه الانتخابات، وكان ذلك بمثابة ترسيخ للنهج الديموقراطي للنظام السياسي الأردني.
وحتى اليوم، عقدت 12 جلسة نيابية فقط من بينها جلسات الثقة والموازنة الماراثونية، وبالتالي أعتقد أن الوقت لا زال مبكرا للحكم على أداء المجلس ولا على أطلاق أحكام تتعلق بمستقبل الأحزاب على ضوء ذلك الأداء.
لكن ذلك لا يمنعنا من القول بأن تعديلات النظام الداخلي لمجلس النواب المتعلقة بتنظيم عمل الكتل النيابية يجعلها صديقة للعمل الحزبي، ومن ذلك على سبيل المثال أن الكتلة النيابية حتى تكون معتمدة في النظام الداخلي يجب أتضم بعضويتها 10% على الأقل من أعضاء المجلس، كما أن يمنع إجراء أي انتقال للأعضاء بين الكتل إلا خلال وقت محدد لمرة واحدة في العام، وهذا الأمر جعل العمل الكتلوي وبالتالي الحزبي أكثر جدية ورسوخا.
ومن جانب آخر فإن المكتب التنفيذي للمجلس الذي يضم في عضويته بالإضافة لرئيس المجلس وبقية أعضاء المكتب الدائم ممثلين عن الكتل البرلمانية؛ وله صلاحيات هامة في تحديد سياسات المجلس العامة.
إن التجربة القصيرة الماضية من عمر مجلس النواب العشرين تسمح لنا بالقول بأن العملية السياسية للنظام السياسي الأردني وفي ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة، وكذلك رئاسة الصفدي المخضرم المحنك للمجلس العشرين، الرئاسة التي كانت على قدر من الخبرة وسعة الصدر والدراية بحيث اجتازت أهم استحقاقين في الدورة العادية وهما: الثقة بالحكومة ومناقشات الموازنة، وذلك من حيث إبقاء الرئاسة على مسافة واحدة من الجميع دون أدني انحياز مع أو ضد أي حزب أو كتلة برلمانية، ودون أية صدامات تذكر، وهذا الأمر يوفر فرصاً متساوية لجميع الأحزاب الممثلة في المجلس، وهذا الأمر قد بدد العديد من المخاوف التي كانت تثار حول نجاح 31 عضواً من جبهة العمل الإسلامي وكيف ستكون علاقتهم مع المجلس ومع الحكومة.
إن العمل البرلماني هو بطبيعته عمل سياسي يتطلب العديد من مهارات التواصل والتشبيك وبناء الفريق والاقناع والخطابة... لكنه أيضاً يتطلب المعرفة الفنية والدراية بالتشريعات وبالوسائل القانونية والدستورية كما أنه مرتبط بمهارات مخاطبة الجمهور وبناء علاقات طيبة مع وسائل الإعلام، وكل ذلك سيكون ميداناً لإظهار النواب الحزبيين لطروحات أحزابهم.
ويبقى من المعضلات الكثير أما ترسيخ تجربتنا الحزبية وإنجاحها.
فعلى سبيل المثال لا زالت القدرة المادية محدد أساسي في العمل الحزبي، وهذا ما يجعل المال السياسي والمال الأسود والقذر هو فرس الرهان في تأسيس الأحزاب وإدامة أنشطتها عبر المواسم والفصول وليس فقط خلال موسم الانتخابات.
كما أن غالبية الأحزاب الجديدة اعتمدت بالوقت الشحيح الذي أتيح
لها على الكم وليس الكيف، بحيث كانت في سباق مع الزمن لجمع أعضاء غير منسجمين بالضرورة مع فكرة الحزب وثوابته بقدر ما كان هؤلاء الأعضاء يلتقون لأسباب اجتماعية على الأرجح.
ولطالما الحزب السياسي كان في تعريفه أساساً مجموعة من الأشخاص يلتقون ويجتمعون حول مواقف واحدة تجاه قضية أو أكثر وينظمون أنفسهم وقدراتهم من أجل الوصول إلى السلطة كي ينفذوا برنامجهم، فإن غياب الهوية السياسية لغالبية أحزابنا السياسية يجعلها عرضة للتغيرات التي لا يمكن التنبؤ بها.
وفي الجانب الآخر فإن بعض الأحزاب القديمة كانت تقدم لمنتسبيها العديد من الخدمات والمكاسب خلال فترات زمنية ممتدة، وغياب هذه المكاسب عن غالبية الأحزاب الناشئة يجعلها عاجزة عن منافسة الحزب الذي استفاد من هذه الميزة سابقاً.
وعلى جميع الأحوال، فإن تجربتنا الحزبية تجربة لا زالت ناشئة وفي طور التبلور، وهي بذلك ومن خلال هذا الزحام بأعدادها وبرامجها يجعلنا نقول بأنها بعيدة عن الرؤية الملكية التي تتضمن تيارات واضحة المعالم وليس مجرد هياكل وأشخاص، وأعتقد أننا لا زلنا بحاجة لمزيد من الوقت من أجل إنضاج تجربتنا.
فلنتفاءل، هذا أمر جيد، لكن أيضاً من واجبنا جميعا العمل والانفتاح، ومثل هذه الفعالية التقييمية من قبل جمعيتكم الموقرة أمر مرحب به وفي المسار الصحيح، على أن يتم تنظيم جلسة أخرى بعد انتهاء الدورة العادية للمجلس ويتم دعوة عدد من النواب الحزبيين إليها.
وكل الشكر لإصغائكم الزملاء والحضور الكرام.
- نص ما قدمه د.اسامة السليم أدناه
د. أسامة تليلان: تطوير التجربة الحزبية يحتاج لفهم أعمق لحدود الظاهرة
- تطوير التجربة الحزبية يحتاج الى جهود مستمرة تقودها الأحزاب من الداخل نحو مأسستها وحوكمتها، وتعميق الديمقراطية الداخلية، وتطوير أدواتها، وتعزيز أدائها الخارجي.
- غياب الحوكمة والمأسسة قاسم مشترك في غالبية الاحزاب يترافق معه غياب القيم المؤسسية.
- تطوير التشريعات الناظمة للمسار الديمقراطي لم يواكبها عمل مؤسسي ثقافي يهدف لتغيير التوجهات الثقافية المجتمعية السائدة.
- تغيير الثقافة السائدة والصورة النمطية حول الأحزاب يتطلب أيضا تطوير الأحزاب لقواعد اشتباكها الايجابي مع المجتمع وتعميق ديمقراطيتها الداخلية.
- بعد سيادة الديمقراطية والاحتكام لصناديق الاقتراع اصبحت الأحزاب شريكاً في النظام السياسي وليس منافساً له ومكوناً أساسي يصعب الاستغناء عنه. بكل ما يعنيه من تغير في طبيعة أدواتها وادوارها وبرامجها، لكن هل تدرك الأحزاب هذه التحولات؟؟
- الأنظمة التنافسية الديمقراطية داخل الأحزاب هي البديل عن النظم الفردية والشللية ونظم التبعية التي تشكل بيئة طاردة للشباب والمرأة ولتعيق الديمقراطية الداخلية.
- لا بد من عملية مراجعة شاملة لمسارات الفكرة الحزبية بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، وفي ضوء ذلك لا بد من فتح قانون الانتخاب واجراء مراجعات عميقه حوله في المرحلة القادمة. خصوصا إذا علمنا أن نسبة المنتمين الى أحزاب من أعضاء مجلس النواب الحالي بلغت 75%.
- بسبب العتبة كان حجم الاصوات المهدور كبير.
- خمسة عشرة قائمة لم تصل للبرلمان بعضها قوائم تحالف بمجموع أصوات كان يمكن أن يحجز لها أكثر من خمسة عشر مقعدا لو شكلت قائمة تحالف.
- الأهم بالنسبة للأحزاب حجم القاعدة التصويتية من جمهور الناخبين وليس حجم القاعدة القاعدة العضوية، وهذا الفهم يحتاج الى العديد من التطويرات والاجراءت لزيادة فاعلية الاحزاب وقدرتها على الوصول الى أصوات الناخبين.
.....
لا شك أن الانتخابات النيابية الأخيرة كشفت عن العديد من جوانب الضعف في أداء الأحزاب السياسية، منها ما يعود لحداثة تأسيس بعضها ومنها ما يعود إلى ضعف أبنيتها وعدم رسوخ الديمقراطية الداخلية، وضعف حضورها الخارجي، وبسبب طبيعة الثقافة السياسية السائدة وموقفها من الأحزاب.
لذلك تشكل عمليات المراجعة والتقييم المبنية على أسلوب منهجي وعلمي ضرورة لكافة الأحزاب الراغبة في تطوير أدائها، ولعل هذه التجربة بعمومها على مستوى الأحزاب وخصوصيتها على مستوى تجربتنا في عملية المراجعة والتقييم، كشفت عن محطات يبنغي للأحزاب العمل عليها لتحسين أدائها الداخلي والخارجي وتطويرهما حتى تصبح فاعل في المشهد السياسي.
ولا شك أن المحطة الأولى تكمن في الجوانب المتعلقة بالمأسسة والحوكمة الغائبة عن غالبية الأحزاب، أي حوكمة كافة هيئات الحزب وقراراته واجراءاته وأنظمته، وضمان توفر أدوات المسائلة ومتابعة الأداء، وهذه تشكل القاعدة الاساسية لعملية التطوير، لإن تعزيز أداء الحزب الخارجي وحضوره السياسي والاجتماعي يشكل حاصل أداء كافة هيئاته وفروعه.
في الوقت الذي تعاني فيه غالبية الأحزاب من ضعف متعدد الاتجاهات في جوانب المأسسة والحوكمة، وهو الأمر الذي تنبهت له الهيئة المستقلة للانتخاب، لذلك بادرت لعقد دورات متخصصة في مجال حوكمة الأحزاب، بالإضافة لوجود توجه لديها للعمل على ضرورة حوكمة الأحزاب لانظمتها الداخلية، ومن وجهة نظري ينبغي أن تكون حوكمة الأنظمة الأساسية للأحزاب جزء من معايير الدعم المالي الموجه له، إن لم يكن شرطاً لترخيصها.
من جانب آخر، كشفت ممارسات عدد وازن من الأحزاب خلال المشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة وتشكيل قوائمها عن ضعف آليات الديمقراطية الداخلية وأدواتها، وذلك بسبب ضعف الاهتمام بضمان التدابير الأساسية لحماية هذه الديمقراطية وتعميقها، بالإضافة الى ضعف آليات المسائلة والمتابعة ضمن أسس ديمقراطية تستند الى الشفافية.
رافق ذلك عدم الاعتماد على الأنظمة الديمقراطية التنافسية التي تحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين الأعضاء في الوصول الى المواقع القيادية والترشيحات العامة كبديل عن النظم الفردية والشللية غير الديمقراطية (نفوذ بعض الأفراد أو مجموعة صغيرة تدير شؤون الحزب وقراراته)، التي تشكل بيئة طاردة للشباب واصحاب الكفاءات والفعالية، وتعيق كذلك تعميق الديمقراطية الداخلية.
أما على صعيد الأداء الخارجي فإن أول عامل موضوعي لنجاحه يكمن بالقدرة على تفعيل كافة أداء هيئات الحزب وفروعه وعلى تطوير الاشتباك الايجابي الخارجي وأدواته من خلال التفاعل الموضوعي والمنهجي مع القضايا العامة والقضايا المجتمعية، وبناء العلاقات والتحالفات وفق مسارات خارجية محكمة التخطيط والتنفيذ.
وإذا كان لي أن أخرج بملاحظات وأفكار بعد حوالي 25 عام من العمل الحزبي أود الإشارة إلى أن بناء الانظمة التنافسية الايجابية داخل الأحزاب هي الجذر لحماية الديمقراطية وتعزيزها وهي البديل عن النظم الفردية وعن نظم التبعية والشللية التي تشكل بيئة غير صحية لبناء هياكل سياسية تحظى بالقبول الاجتماعي والفعالية السياسية لإنها النقيض للديمقراطية.
كما يحتاج تطوير التجربة الحزبية أيضاً الى جهود مستمرة تقودها الأحزاب من الداخل نحو مأسستها وحوكمتها وتعميق الديمقراطية في قراراتها واجراءاتها وعلاقاتها الداخلية وتجديد أدواتها وتعزيز أدائها الخارجي.
تأسيس الحزب عملية قانونية سهلة، لكن بناء الحزب كمؤسسة سياسية فاعلة عملية متداخلة ومعقدة، وتحتاج لمراحل بناء متتابعة إذا كان المطلوب بناء حزب فاعل وقادر على تجديد قياداته بسلاسة وعلى التكيف المستمر في أدواره وبرامجه وتموضعاته، وعلى عكس قيمه كمؤسسة قيمية وسياسية في مصفوفة قراراته واجراءاته، ولكن للأسف لم تهتم الغالبية بهذا الجانب لأسباب عديدة أو بسبب عدم توفر الخبرة الكافية أو لأسباب شخصية، بالإضافة الى طبيعة علاقة الأعضاء ومحركاتها مع الأحزاب، لذلك نشئت أحزاب واخفتى بعضها ولا فاعلية تذكر لها في المجتمع وفي النظام السياسي.
الأحزاب بعد مخرجات عملية التحديث السياسي تموضعت كشريك في النظام السياسي ومكون أساسي يصعب الاستغناء عنه سواء داخل البرلمان أو خارجه، وعليها أن تستمر في تحديث انظمتها ودمقرطتها وحوكمتها لتكون بيئة جاذبة للشباب والمرأة والفاعلين في المجتمع، وأن تعكس في قراراتها واجراءتها منظومة قيمها وتوجهاتها، وأن تسعى بشكل مستمر لتعزيز اشتباكها الايجابي مع قضايا المجتمع والتشريعات والسياسات والممارسات بأسلوب علمي وموضوعي غير متقطع، كي تكستب الأهلية والقبول الاجتماعي الذي يشكل القاعدة الأساسية لتحفيز الناخبين على الذهاب الى صناديق الاقتراع والحصول على أصواتهم.
إذ بعد إقرار الدائرة العامة في قانون الانتخاب كدائرة مخصصة للأحزاب أصبحت القاعدة التصويتية العامة للناخبين وليس القاعدة التصويتية الخاصة لأعضاء الحزب هي الفيصل في حصول الحزب على مقاعد في البرلمان، وهذا ما أكدته نتائج الأحزاب في الدائرة العامة في الانتخابات الأخيرة، من هنا ينبغي أن تبدأ عمليات المراجعة والتقييم لتعزير فرص أي حزب في الوصول الى البرلمان.
أما بالنسبة لمستقبل التحولات الحزبية لدينا فإن احتمالات التراجع والتقدم تسير بنفس الوتيرة خصوصاً أن ضعف القيم المؤسسية وضعف الفهم المشترك للعمل العام الى جانب الأبعاد والمصالح الفردية الضيقة وضعف الخبرة ما زالت تشكل جزءً رئيسياً من طبيعة الأمور السائدة.
بالإضافة الى أن عدم مواكبة منظومة القيم الاجتماعية والتوجهات الثقافية السائدة في المجتمع مع عملية تحديث التشريعات الناظمة للحياة الديمقراطية يشكل تحديا أمام تعميق الديمقراطية وحضور الأحزاب اجتماعيا وثقافيا. وقد لا يكون كافياً عقد أو عقدين لتحقيق ذلك بدون برامج موجهة لتغيير النسق الثقافي لا سيما الموقف من الأحزاب والتعددية والمرأة والمواطنة وقبول الآخر والاحتكام لقواعد العملية الديمقراطية.
ناهيكم عن بعض الممارسات الح مثل:
-
التوسع بالاستقطاب غير النوعي في بعضها على حساب الاستقطاب النوعي لصالح تعزيز هيمنة الشلة كبديل عن بناء مؤسسة ديمقراطية فاعلة ومؤثرة.
-
تقوية نظام التبعية لخلق اتباع لصالح مشاريع شخصية وليس شركاء في بناء مشروع وطني في بعض الحالات.
-
تزييف بعضها لوعي الأعضاء وايهامهم بقيم مثالية لكنها سرعان ما تتكشف وتبدأ الاشكاليات.
-
ضبابية بعض مواد الأنظمة الأساسية بحيث يتم اكسابها بالعموميات مظهر ديمقراطي وفي تفصيلاتها نقيضها.
الممارسات كثيرة ولا يتسع لقاء واحد للحديث حولها، لكن إن كان هناك سبيل لانجاح هذه التجرية لا بد من العمل على توطين الحوكمة والمأسسة في كافة انظمة الأحزاب وتعزيز الديمقراطية داخلها وتطوير اشتباكها الخارجي وأدواته مع المجتمع ومع كافة مؤسسات الدولة .
وفي ضوء ذلك لا بد من عملية مراجعة شاملة لكل هذه المسارات، ولا بد من فتح قانون الانتخاب وإجراء مراجعات عميقه حوله في المرحلة القادمة. خصوصا إذا علمنا أن نسبة المنتمين الى أحزاب من أعضاء مجلس النواب الحالي بلغت 75%.
لذلك لا بد من إجراء عملية مراجعة وتقييم عميقة وشاملة للتجربة برمتها بهدف البناء والتطوير، والبحث عن مصادر إثرائها وتحويلها الى مصدر للقوة. لذلك تطوير التجربة يحتاج لفهم اعمق لحدود الظاهرة.